فخر الدين الرازي
117
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصلاة والسلام : فَاتَّبِعُوهُ * وهذا أمر ، فوجب أن يكون للوجوب ، فثبت أن متابعته واجبة ، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله ، فثبت ان قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله ، وقوله : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يوجب الاقتداء به في جميع أقواله ، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة . المسألة التاسعة : اعلم أن ظاهر الأمر وان كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه ، ويدل عليه وجوه : الأول : ان قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ يصح منه استثناء أي وقت كان ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فوجب أن يكون قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ متناولا لكل الأوقات ، وذلك يقتضي التكرار ، والتكرار يقتضي الفور . الثاني : انه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة ، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة ، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة ، وحمل كلام اللَّه على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا ، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص ، والتخصيص خير من الإجمال . الثالث : ان قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ اللَّه ، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها ، فثبت من هذا الوجه ان المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية ، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة / وهذا أصل معتبر في الشرع . المسألة العاشرة : أنه قال : أَطِيعُوا اللَّهَ فأفرده في الذكر ، ثم قال : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهذا تعليم من اللَّه سبحانه لهذا الأدب ، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره ، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك ، بدليل أنه قال : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهذا تعليم لهذا الأدب ، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : من أطاع اللَّه والرسول فقد رشد ، ومن عصاهما فقد غوى ، فقال عليه الصلاة والسلام : « بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى اللَّه وعصى رسوله » أو لفظ هذا معناه ، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة ، وهو سبحانه متعال عن ذلك . المسألة الحادية عشرة : قد دللنا على أن قوله : وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يدل على أن الإجماع حجة فنقول : كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع ، ونحن نذكر بعضها : الفرع الأول : مذهبنا أن الإجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام اللَّه من نصوص الكتاب والسنة ، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول : الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر ، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء ، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه ، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث ، فدل على ما ذكرناه ، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء . وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر ، لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر . الفرع الثاني : اختلفوا في أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة ؟ والأصح أنه حجة ، والدليل